عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
133
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده وكان من العدل على جانب عظيم حكى أن رجلا من الرملة تظلم إلى المهتدي بالله من عاملها فأمر بإنصافه وكتب إليه كتابا بخطه وختمه بيده وسلمه إلى الرجل وهو يدعو له فشاهد الرجل من رحمة المهتدي وبره بالرعية وتوليته أمورهم بنفسه ما لم ير مثله فاهتز ووقع مغشيا عليه والمهتدي يعاينه فلما أفاق قال له المهتدي ما شأنك أبقيت لك حاجة قال ولا والله وكلني ما رجوت أن أعيش حتى أرى مثل هذا العدل فقال له المهتدي كما أنفقت منذ خرجت من بلدك فقال أنفقت عشرين دينارا فقال المهتدي أنا لله وإنا إليه راجعون كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة وإذا أنفقت ذلك فهذه خمسون دينارا من بيت المال فأنى لا أملك مالا فخذها لنفقتك واجعلنا في حل من تعبك وتأخر حقك فبكى الرجل حتى غشى عليه ثانيا وبهت بعض الناس وبكى بعضهم فقال أحد الجماعة أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى : حكمتموه فقضى بينكم * أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبل الرشوة في حكمه * ولا يبالي غبن الخاسر فقال المهتدي أما أنت فأحسن الله جزاءك وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به ولكني إذ كر قول الله عز وجل « ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين » فما بقي في المجلس إلا من استغرق بالدعاء له بطول العمر ونفاذ الأمر وكان يقول لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلفته فإن منصبي يقتضيه لأني خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم النائب عنه في أمته وأنى لا ستحيي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله وهم آل الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى وفيها الزبير بن بكار الإمام أبو عبد الله الأسدي الزبيري قاضي مكة في